محمود حرشاني في إذاعة الشباب: خمسون سنة في خدمة الصحافة والدفاع عن إعلام الجهات
استضافت إذاعة الشباب صباح اليوم الصحفي والكاتب والباحث الإعلامي محمود حرشاني، في حوار تناول مسيرته الممتدة على مدى نصف قرن في الصحافة والإعلام، وتوقف بالخصوص عند واقع الإعلام الجهوي وإعلام القرب في تونس، والتحديات التي تواجه الصحافة المكتوبة في الجهات في زمن الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي.
منذ بداية اللقاء، قدّم الإعلامي سامي فرتونة ضيفه باعتباره واحداً من أبناء الصحافة الجهوية في تونس، وأحد المدافعين عن إعلام القرب، مشيراً إلى تجربته الطويلة في تأسيس وإدارة عدد من المنابر الإعلامية الجهوية، وإلى مؤلفاته التي تناولت واقع الصحافة في الجهات ومشاغل المناطق الداخلية.
وكان الضيف قد اكد في البداية أن الانتماء المحلي، على أهميته، يظل جزءاً من انتماء أكبر وأشمل هو الانتماء إلى تونس.
إعلام القرب ما يزال ضرورة
وفي حديثه عن الإعلام الجهوي وإعلام القرب، أكد محمود حرشاني أن الحاجة إلى هذا النوع من الإعلام لم تتراجع رغم التطورات التكنولوجية الهائلة، بل أصبحت، في تقديره، أكثر إلحاحاً في ظل المشهد الإعلامي الجديد.
وأشار إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي أفرزت ما يمكن تسميته بـ«الإعلام المواطني الحر »، حيث أصبح المواطن قادراً على نقل الأحداث والتعليق عليها ونشر المعلومات والصور ومقاطع الفيديو. غير أن ذلك، في رأيه، لا يلغي دور الصحفي المهني الذي يعمل وفق قواعد وأخلاقيات واضحة.
وقال إن الصحفي عندما يعمل داخل مؤسسة إعلامية يكون ملتزماً بضوابط المهنة وأخلاقياتها، بينما تطرح المنصات المفتوحة، وخصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي، تحديات كبيرة على مستوى التثبت من الأخبار واحترام الحياة الخاصة والابتعاد عن الإشاعة والمسّ بالأعراض.
ومن هنا شدد على أن الإعلام المهني، وخاصة الإعلام الجهوي وإعلام القرب، يظل مطالباً بالمحافظة على قواعد المهنة، مع الاستفادة في الوقت نفسه من التقنيات الرقمية الحديثة والذكاء الاصطناعي.
الصحافة الجهوية المكتوبة... الغائب الأكبر
الجزء الأبرز من الحوار خصصه محمود حرشاني للصحافة الجهوية المكتوبة، التي اعتبر أن حضورها تراجع بصورة كبيرة في تونس.
واعتبر أن اختفاء الصحف والمجلات الجهوية المكتوبة يمثل خسارة حقيقية، مذكّراً بأن تونس عرفت خلال عقود سابقة عدداً كبيراً من الصحف والمجلات التي كانت تصدر من مختلف الجهات، وأن مدناً تونسية عديدة كانت تعرف منابرها الإعلامية الخاصة.
أما اليوم، كما أوضح، فقد أصبحت الصحافة الجهوية المكتوبة شبه غائبة، في حين تواصل الإذاعات الوطنية والإذاعات الجهوية والعمومية القيام بجزء مهم من وظيفة الإعلام الجهوي.
ويرى حرشاني أن المطلوب هو إعادة الاعتبار إلى الصحافة الجهوية المكتوبة وإلى دورها التربوي والثقافي والإعلامي، باعتبارها جزءاً من ذاكرة الجهات ومن تاريخ تونس الإعلامي.
وفي هذا السياق استحضر تجربته الطويلة مع مجلة «مرآة الوسط»، التي ارتبط اسمها بالصحافة الجهوية في الوسط الغربي، إلى جانب عدد من التجارب الصحفية الجهوية الأخرى التي توقفت لأسباب مختلفة.
الورق في مواجهة الشاشة
ولم يخل الحوار من وقفة وجدانية عند علاقة الصحفي والكاتب بالورق.
ورغم اعترافه بأن الكتاب والجريدة والمجلة أصبحت متاحة اليوم على الهاتف والحاسوب، أكد حرشاني أن للورق متعته الخاصة، قائلاً إن هناك فرقاً بين قراءة الصحيفة على الشاشة وبين الإمساك بها وتقليب صفحاتها واستشعار حضورها المادي ورائحة الحبر.
وهي رؤية لا تعني رفض التطور الرقمي، بقدر ما تعكس ارتباط جيل من الصحفيين والكتاب بالكتاب والجريدة والمجلة الورقية، وبالذاكرة التي تختزنها المطبوعات.
خمسون سنة في خدمة الصحافة والإذاعة
اللقاء كان أيضاً مناسبة لاستحضار مسيرة محمود حرشاني المهنية التي بلغت هذا العام خمسين سنة في الصحافة والإعلام.
وقد عبّر عن سعادته بأن يكون الاحتفاء بهذه الذكرى من خلال إذاعة عمومية، معيداً إلى الذاكرة بداياته الأولى في الإذاعة الوطنية، وهي المؤسسة التي احتلت مساحة واسعة من مسيرته المهنية.
وتحدث عن تجاربه في إعداد وتقديم البرامج، وتقديم نشرات الأخبار، والعمل الميداني، والقيام بمهام إعلامية خارج تونس، مؤكداً أن مسيرته الطويلة جعلته يعيش التحولات الكبرى التي عرفها المشهد الإعلامي التونسي، من عصر الإذاعة والصحافة الورقية إلى عصر الإنترنت والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
تحية تقدير من إذاعة الشباب
في ختام الحوار، تحولت الاستضافة إلى تحية تقدير لمسيرة نصف قرن في الصحافة.
وأشاد مقدم البرنامج بما اعتبره حضوراً متواصلاً للضيف في المشهد الاعلامي الوطني والجهوي ، وباختياره منذ بداياته الصحفية الاشتغال على قضايا الناس ومشاغل المناطق الداخلية.
أما محمود حرشاني، فعبّر عن سعادته بهذه الاستضافة، موجهاً تحية إلى إذاعة الشباب وإلى إدارتها والعاملين فيها، ومعتبراً أن مرور خمسين سنة على دخوله عالم الصحافة والإعلام يمثل محطة تستحق التوقف عندها، لا باعتبارها نهاية مسيرة، وإنما باعتبارها فرصة لاستحضار البدايات ومواصلة الطريق.
نصف قرن من الصحافة... من الإذاعة إلى الصحيفة، ومن الورق إلى الشاشة، ومن إعلام الجهات إلى الفضاء الرقمي. مسيرة تختصر جانباً من تحولات الإعلام التونسي نفسه، وتعيد طرح السؤال القديم المتجدد: كيف نحافظ على مهنية الصحافة وقربها من المواطن في زمن تتغير فيه أدوات الإعلام بسرعة؟

إرسال تعليق
سياسة التعليقات على موقع الثقافية التونسية.
1. يرجى الالتزام بالتعليق على الخبر أو التقرير أو المقال نفسه ، والابتعاد عن كتابة تعليقات بعيدة عن موضوع الخبر أو التقرير أو المقال.
2.يرجى الامتناع نهائيا عن كتابة أي عبارات مسيئة أو مهينة أو أي كلمات تخدش الحياء أو تحمل سبا وقذفا في أي شخص أو جهة أو تحوي معان مسيئة دينيا أو طائفيا أو عنصريا