«الطريق إلى الحرية»... حين يصبح التاريخ حكاية الناس
ليست كل رواية تتناول التاريخ رواية تاريخية بالمعنى التقليدي. فهناك أعمال تعيد ترتيب الوقائع وتقديمها في قالب حكائي، وأعمال أخرى تحاول أن تفعل شيئاً أكثر صعوبة: أن تعيد إلى التاريخ أصوات الذين عاشوه، وأن تجعل القارئ يرى الأحداث الكبرى من خلال تفاصيل الحياة اليومية.
من هذا المنطلق يمكن قراءة رواية «الطريق إلى الحرية» للكاتب والصحفي محمود حرشاني، الصادرة عن دار خريف للنشر في طبعتها الأولى سنة 2025. وهي رواية تختار واحدة من أكثر مراحل التاريخ التونسي حساسية: سنوات الكفاح الوطني، والاستقلال الداخلي، ثم الخلاف بين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وما ترتب عنه من انقسام داخل المجتمع التونسي.
لكن ما يلفت في الرواية منذ صفحاتها الأولى أن الكاتب لا يضع القارئ مباشرة أمام الزعماء والأحداث الكبرى، وإنما يأخذه إلى قرية في الشمال الغربي، إلى دكان يجتمع فيه رجال القرية مساء، يتبادلون الأخبار ويتابعون ما تنشره الصحف.
هناك، في ذلك المكان البسيط، يبدأ التاريخ في النزول من صفحات الجرائد إلى حياة الناس.
شخصيات مثل عباس الخياط، وباسا الفلاح، وسي محفوظ، وغيرها، ليست شخصيات تاريخية بالمعنى المعروف، لكنها تصبح شاهدة على التاريخ. تسمع أخبار العاصمة، وتناقشها، وتختلف حولها، وتخاف من نتائجها. وهنا تكمن إحدى نقاط القوة في الرواية: التاريخ لا يُروى من فوق، وإنما يصل إلى القارئ من خلال الناس الذين كانوا ينتظرون أخباره في القرى والأرياف.
والحوار من العناصر التي تمنح الرواية خصوصيتها. فالشخصيات لا تتحدث بلغة المؤرخين، وإنما بلسان الناس، وبإيقاع قريب من الكلام اليومي التونسي. وهذا يجعل النقاش حول الاستقلال الداخلي والخلاف بين الزعيمين أقل جفافاً وأكثر التصاقاً بالحياة.
عندما يتجادل عباس وباسا وسي محفوظ حول مواقف بورقيبة وصالح بن يوسف، لا نكون أمام درس في التاريخ السياسي التونسي، وإنما أمام مجتمع بدأ يشعر بأن خلافاً كبيراً يجري في أعلى الهرم، وأن هذا الخلاف يمكن أن يصل إلى كل بيت وقرية. وتكشف الرواية بالفعل كيف بدأ الانقسام بين البورقيبيين واليوسفيين يتسلل إلى المجتمع، بعد أن كان الخلاف بين الزعيمين في بدايته قضية سياسية في العاصمة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في «الطريق إلى الحرية»: فالرواية تتحدث عن الوصول إلى الحرية، لكنها لا تقدم الطريق إليها باعتباره طريقاً مستقيماً.
إنه طريق مليء بالخلافات والخوف والانتظار والوشاية والصراع على المستقبل.
ولعل هذا الجانب هو الذي يجعل بعض فصول الرواية أكثر روائية من غيرها. فعندما تنتقل الأحداث من النقاشات السياسية إلى مصائر الأشخاص، وإلى الخوف من الملاحقة والتصفية، تتغير حرارة السرد. يصبح التاريخ مصيراً شخصياً، وتتحول الخلافات السياسية إلى خوف يعيشه الإنسان في بيته وفي عائلته.
في هذه المقاطع تحديداً، ينجح محمود حرشاني في الاقتراب من المنطقة التي يصبح فيها التاريخ مادة روائية حقيقية: ماذا يفعل الصراع السياسي بالناس العاديين؟
وهذا سؤال يتجاوز مرحلة الخمسينات في تونس، ويمنح الرواية قدرة على مخاطبة القارئ المعاصر.
ومع ذلك، فإن القراءة المنصفة للرواية تقتضي الإشارة إلى أن الجانب التاريخي يطغى أحياناً على الجانب الروائي. ففي بعض المواضع يبدو الكاتب الصحفي والمؤرخ أكثر حضوراً من الكاتب الروائي، فتتحول بعض المقاطع إلى شرح للأحداث السياسية وتسلسلها. وهذا قد يمنح الرواية قيمة توثيقية، لكنه يخفف أحياناً من اندفاع السرد.
غير أن هذه الملاحظة لا تلغي القيمة الفنية للعمل، بل تكشف ربما عن طبيعته الخاصة: رواية تقف في المنطقة الفاصلة بين الذاكرة والتاريخ والتخييل.
وهذه المنطقة ليست سهلة.
فالكاتب يعرف الأحداث، ويعرف الصحافة التي نقلتها، ويعرف كيف كانت الأخبار تصل إلى الناس. لكنه يحاول في الوقت نفسه أن يمنحها حياة جديدة داخل الرواية.
ومن هنا تأتي أهمية الشخصيات الشعبية في العمل. فالقارئ لا يتابع فقط ما يفعله الزعماء، وإنما يتابع كيف يفهم الناس مواقفهم، وكيف ينقسمون حولها، وكيف تتحول السياسة شيئاً فشيئاً إلى جزء من حياتهم اليومية.
حتى الصحيفة داخل الرواية ليست مجرد وسيلة لإيصال الخبر؛ إنها تكاد تصبح شخصية أخرى. يفتح سي محفوظ الجريدة ويقرأ، وينتظر الآخرون، ثم يبدأ النقاش. هكذا كانت الأخبار تصل إلى الناس، وهكذا كان التاريخ يدخل إلى البيوت والمقاهي والدكاكين.
أما العنوان، «الطريق إلى الحرية»، فيكتسب معناه تدريجياً. فالحرية ليست في الرواية لحظة واحدة تنتهي بإعلان الاستقلال، وإنما رحلة شاقة تبدأ بالمقاومة، وتمر بالمفاوضات والانقسامات، وتنتهي إلى لحظة الاستقلال، مع بقاء جراح المرحلة وآثارها.
وحين تصل الرواية إلى الاستقلال، لا يشعر القارئ بالضرورة أن كل شيء انتهى. فالاستقلال نفسه يأتي بعد طريق طويل من الصراع، كما أن الانقسامات التي رافقت المرحلة تركت آثارها في النفوس والمجتمع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه الرواية أنها لا تطلب من القارئ أن يكون مؤرخاً حتى يفهمها.
إنها تضع التاريخ أمامه في صورة بشر يتحركون ويتكلمون ويختلفون ويخافون وينتظرون.
وهنا تحديداً تصبح الرواية جديرة بالقراءة؛ ليس لأنها تقدم للقارئ معلومات عن مرحلة يعرفها أو لا يعرفها، وإنما لأنها تطرح عليه سؤالاً آخر:
كيف كان التونسي العادي يرى طريق بلاده إلى الاستقلال؟
ربما لا تقدم «الطريق إلى الحرية» جواباً واحداً عن هذا السؤال، لكنها تقدم شيئاً أكثر أهمية: مجموعة من الأصوات والوجوه والمواقف تجعل القارئ يعود إلى تلك المرحلة وكأنه يقف في ذلك الدكان الريفي، ينتظر مع الرجال وصول الجريدة، وينصت إلى خبر جديد من العاصمة.
وعندما تنتهي القراءة، قد يجد القارئ نفسه راغباً في العودة إلى الرواية لا بحثاً عن التاريخ وحده، وإنما بحثاً عن الإنسان الذي كان يعيش ذلك التاريخ.
وهذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لأي رواية تستمد مادتها من الماضي: هل تجعلنا نقرأ الماضي من جديد، أم تجعلنا نكتشفه؟
«الطريق إلى الحرية» تحاول أن تفعل الأمر الثاني

إرسال تعليق
سياسة التعليقات على موقع الثقافية التونسية.
1. يرجى الالتزام بالتعليق على الخبر أو التقرير أو المقال نفسه ، والابتعاد عن كتابة تعليقات بعيدة عن موضوع الخبر أو التقرير أو المقال.
2.يرجى الامتناع نهائيا عن كتابة أي عبارات مسيئة أو مهينة أو أي كلمات تخدش الحياء أو تحمل سبا وقذفا في أي شخص أو جهة أو تحوي معان مسيئة دينيا أو طائفيا أو عنصريا