في بلاط صاحبة الجلالة محمود الحرشاني… رجل حمل "الوسط" في قلبه والقلم في يده! في بلاط صاحبة الجلالة محمود الحرشاني… رجل حمل "الوسط" في قلبه والقلم في يده!

في بلاط صاحبة الجلالة محمود الحرشاني… رجل حمل "الوسط" في قلبه والقلم في يده!

 في بلاط صاحبة الجلالة

محمود الحرشاني… رجل حمل "الوسط" في قلبه والقلم في يده!



بقلم الصحفي الكبير محمد الماطري صميدة












أحِبُّ في محمود الحرشاني شيئا أساسيا: أنه ينتمي إلى تلك المدرسة التي كان فيها الصحافي مشروعا متكاملا: مراسلا ميدانيا ومعدا للبرامج وصحافيا وكاتبا وصاحب مجلة ومؤلفا وموثقا لذاكرة الصحافة…!
لم يكن محمود الحرشاني ينتظر أن تأتيه الصحافة إلى مكتبه بل كان يذهب إليها حيث يوجد الحدث…!
من الوسط والجنوب إلى باريس ومن أستوديوهات الإذاعة إلى عواصم عربية ومن صفحات المجلات إلى فضاءات الإعلام الدولي.
تجربة طويلة، نعم…لكن الأهم أنها تجربة متنوعة…وثرية!
وفي زمن أصبحت فيه الشهرة أحيانا أسرع من الخبرة يصبح الحديث عن رجال مثل محمود الحرشاني ضروريا…لأن الرجل لم يصنع اسمه بضجيج عابر بل بناه لبنة لبنة وبرنامجا برنامجا ومقالا مقالا وكتابا كتابا!
وللتاريخ فإن الصحافي والكاتب محمود الحرشاني هو صاحب رحلة طويلة امتدت بين الإذاعة والصحافة والتأليف والإعلام العربي.
وإن الحديث عن محمود الحرشاني ليس حديثا عن تجربة مهنية عادية بل عن رحلة طويلة ومتعددة المسالك بدأت من الإذاعة والصحافة الجهوية وامتدت إلى الإعلام العربي ثم إلى التأليف والبحث والتوثيق.
كان محمود الحرشاني من الدفعة الأولى للمراسلين الجهويين للإذاعة التونسية في زمن كان فيه المراسل الصحفي عينا للإذاعة في الجهات ينقل الحدث من الميدان ويعيش تفاصيله قبل أن تصل إلى المستمع.
وكان مبعوث الإذاعة التونسية لتغطية أحداث ومواعيد كبرى من موسم الحج إلى المعرض الفلاحي بباريس وصولا إلى ملتقيات ومناسبات ثقافية عربية في عواصم مختلفة.
ثم كان من الأسرة الأولى لإذاعة قفصة قبل أن يلتحق بأسرة إعداد البرامج في إذاعة صفاقس حيث أعد عشرات البرامج ولم تكن بعض تلك البرامج مجرد مواد إذاعية عابرة بل تحولت فيما بعد إلى كتب وكأن الرجل كان يرفض أن تموت الفكرة بانتهاء البث.
وفي مسيرته الإعلامية أيضا تجربة عربية مهمة إذ انتسب إلى عدد من القنوات العربية ومن أبرزها قناة البوادي الكويتية حيث أعد عشرين حلقة من برنامج حوار فكري.
كما عرف تجربة صحفية وإعلامية دولية من خلال عمله مراسلا غير دائم لهيئة الإذاعة البريطانية BBC في مناطق الوسط والجنوب وغطى أحداث الثورة التونسية يوما بيوم في واحدة من أكثر مراحل تاريخ تونس الحديث حساسية وتحولا.
لكن الحديث عن محمود الحرشاني لا يمكن أن يمر دون الوقوف طويلا أمام تجربته الأبرز: مجلة مرآة الوسط…مجلة لم تكن مرآة لجهة فقطب كانت مرآة كل الجهات!
وحين أنشأ محمود الحرشاني مجلة مرآة الوسط لم يكن يبحث عن عنوان صحفي جديد يضاف إلى أكشاك الجرائد بل كان يحمل مشروعا.
مشروعه كان بسيطا في فكرته…كبيرا في معناه: أن يكون للوسط التونسي صوت وأن تجد الجهات مكانها في الإعلام والثقافة وأن يعرف الناس أن تونس ليست العاصمة وحدها وأن الإبداع لا يولد في شارع واحد ولا في مدينة واحدة.
وقد استطاعت مرآة الوسط مع مرور السنوات أن تتجاوز الدائرة الجهوية الضيقة لتصبح منبرا إعلاميا وثقافيا يتابع الشأن الوطني والعربي ويفتح صفحاته للمبدعين والكتاب والمثقفين ويحتفي بالكفاءات والأسماء التي تستحق أن تعرف.
وفي شهادة جميلة للدكتور والكاتب عبد القادر بالحاج نصر جاء التأكيد على قدرة المجلة على الصمود في زمن صعب وعلى نجاحها في الخروج من الإطار الجهوي الضيق إلى فضاء أرحب بفضل تنوع مضامينها واهتمامها بالشأن السياسي والاقتصادي والثقافي والأدبي والفني.
وهي شهادة لا تزين مسيرة الرجل بقدر ما تكشف حقيقة مشروعه…فالاستمرار في عالم الصحافة ليس أمرا سهلا…!
أما أن تستمر مجلة لعقود وسط أزمات الصحافة الورقية وتراجع الإشهار وارتفاع كلفة الطباعة وزحف الإعلام الرقمي فتلك حكاية أخرى.
إنها مغامرة مالية وفكرية وإنسانية يومية…!
ولقد كتب الأستاذ الشاذلي القليبي في رسالته إلى مجلة مرآة الوسط بمناسبة ثلاثينيتها أن الإعلام الجهوي من أهم وسائل التنمية العامة والثقافية مشيدا بالجهود التي جعلت المجلة تحتل مكانة متميزة في المشهد الإعلامي التونسي ومتمنيا لصاحبها أن تستمر الرحلة إلى اليوبيل الذهبي.
وأي شهادة أبلغ من شهادة رجل بقامة الشاذلي القليبي؟
ثم تأتي محطة أخرى في حياة محمود الحرشاني:الكتاب…!
خمسة وعشرون كتابا صدرت له في مسيرة تكشف أن الرجل لا يكتفي بالخبر العابر ولا بالمقالة التي تعيش يوما ثم يبتلعها أرشيف الصحف…إنه من أولئك الذين يريدون للفكرة أن تبقى.
وآخر كتبه «الصحافة بالوسط الغربي… تاريخ ومحطات وأسماء» يؤكد مرة أخرى هذا الإيمان بالتوثيق وحفظ الذاكرة…فالصحافة لا تعيش فقط بالحاضر…الصحافة التي لا تحفظ تاريخها صحافة بلا ذاكرة.
ومن لا يعرف من سبقوه سيظل يعتقد أنه بدأ الحكاية من الصفر…!
ومحمود الحرشاني يعرف قيمة الأسماء التي صنعت الصحافة وقيمة الجهات التي أنجبت صحفيين وكتابا وإعلاميين فاختار أن يوثق وأن يجمع وأن يكتب حتى لا تضيع الحكايات مع أصحابه…!
وفي بلاط صاحبة الجلالة لا يكفي أن تحمل قلما لتصبح صحفيا…فالصحافة عمر…والصحافة تعب…! والصحافة صبر على الورق الأبيض قبل أن يصبح كلاما…!
ومحمود الحرشاني من أولئك الذين أطالوا الوقوف في هذا البلاط لا طلبا للوجاهة بل دفاعا عن فكرة آمنوا بها وهي أن للإعلام رسالة وللجهات حقا في أن تتكلم وللذاكرة واجبا في أن تحفظ.
خمسة وعشرون كتابا…سنوات طويلة في الإذاعة…تجربة عربية…تغطيات دولية…مرآة الوسط التي صمدت وكبرت…
كل ذلك ليس مجرد سيرة ذاتية…إنه عمر كامل من الحبر…!
وأنا…وقد عرفت بلاط صاحبة الجلالة وعرفت تعب الصحافة وفرحها أعرف جيدا كم يحتاج الإنسان إلى الصبر كي يكتب مقالا واحدا جيدا فكيف بمن يحمل على كتفيه مجلة وبرامج إذاعية وتغطيات وأسفارا ثم يترك وراءه خمسة وعشرين كتابا؟
ذلك هو محمود الحرشاني كما أراه: رجل لم يكتف بأن ينظر إلى الوسط التونسي في المرآة… بل صنع له مرآة وطلب من تونس كلها أن تنظر إليه.
ولا أقول هذا من باب توزيع الأوسمة ولا من باب المجاملة ولكن وفاء للحقيقة ولما اقترحه عديد الأصدقاء والزملاء الذين يرون أن مسيرة إعلامية بهذا الثراء تستحق أن تجد مكانها في التكريم.
ومن هذا المنطلق أساند بكل تقدير دعوتهم إلى أن يشمل التكريم الأستاذ محمود الحرشاني في الدورة القادمة من المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون تقديرا لعقود قضاها في خدمة الإعلام التونسي والعربي بين الإذاعة والصحافة والتأليف والتوثيق…فتكريم أصحاب التجارب الطويلة ليس منة عليهم بل هو في النهاية تكريم لذاكرة المهنة نفسها واعتراف جميل برجال أعطوا الكثير قبل أن يصبح التكريم عادة موسمية…!
وفي زمن ينسى فيه الناس بسرعة ويولد فيه كل يوم إعلام جديد بلا ذاكرة يبقى محمود الحرشاني من رجال الحبر الذين فهموا مبكرا أن الصحافي لا يعيش بما يقوله اليوم فقط…بل بما يتركه للتاريخ غدا…!

التعليقات

سياسة التعليقات على موقع الثقافية التونسية.
1. يرجى الالتزام بالتعليق على الخبر أو التقرير أو المقال نفسه ، والابتعاد عن كتابة تعليقات بعيدة عن موضوع الخبر أو التقرير أو المقال.
2.يرجى الامتناع نهائيا عن كتابة أي عبارات مسيئة أو مهينة أو أي كلمات تخدش الحياء أو تحمل سبا وقذفا في أي شخص أو جهة أو تحوي معان مسيئة دينيا أو طائفيا أو عنصريا

أحدث أقدم

إعلانات

إعلانات