حوار مع الكاتب محمود حرشاني حول ادب اليافعين باذاعة تونس الثقافية حوار مع الكاتب محمود حرشاني حول ادب اليافعين باذاعة تونس الثقافية

حوار مع الكاتب محمود حرشاني حول ادب اليافعين باذاعة تونس الثقافية

 محمود حرشاني في إذاعة تونس الثقافية: الكتابة لليافعين حاجة أدبية وتربوية






حوار في «المشهد الثقافي» مع الصحفية منى الدريدي حول «نجمة هاربة من السماء» وتجربة الكتابة لليافعين

تونس. خاص متابعات ثقافية.عرض اسامة حرشاني

لم يكن الحديث عن رواية «نجمة هاربة من السماء»، خلال استضافة الكاتب والصحفي محمود حرشاني في برنامج «المشهد الثقافي» بإذاعة تونس الثقافية، مجرد تقديم لإصدار جديد، وإنما تحول اللقاء إلى حديث أوسع عن الكتابة الموجهة إلى اليافعين، وعن الحاجة إلى إيلاء هذه الفئة العمرية ما تستحقه من اهتمام في المشهد الأدبي والتربوي التونسي والعربي.

في حوار أجرته الصحفية منى الدريدي، استعاد محمود حرشاني فكرة مشروعه في الكتابة لليافعين، وهو المشروع الذي كان قد أعلن عنه في استضافة سابقة بالإذاعة نفسها، ويقوم على كتابة مجموعة من الروايات الموجهة إلى الفئة العمرية التي تبدأ، في تصوره، من نحو الثانية عشرة وتمتد إلى مرحلة الشباب.

ويرى حرشاني أن المكتبة التونسية والعربية تزخر بكتب الأطفال من جهة، وبالأدب الموجه إلى الكبار من جهة أخرى، بينما تظل المساحة الخاصة باليافعين والشباب أقل حضوراً، خصوصاً في مجال الرواية. ومن هنا جاء اختياره خوض هذه التجربة التي يعتبرها مشروعاً أدبياً متواصلاً وليس مجرد إصدار عابر.

من «سر ساكنة الجبل» إلى «نجمة هاربة من السماء»

بدأ المشروع برواية «سر ساكنة الجبل» التي صدرت عن دار خريف للنشر، ووجدت، وفق ما ذكره الكاتب، تجاوباً جيداً لدى القراء، إلى درجة أن الناشر يفكر في إعادة طباعتها.

ثم جاءت الرواية الثانية «البحث عن الحقيقة»، وهي رواية بوليسية قصيرة موجهة إلى اليافعين، اختار فيها حرشاني أن يستثمر عنصر المغامرة والتشويق، انطلاقاً من اعتقاده بأن هذا النوع من الأدب قادر على جذب الشباب إلى القراءة وإثارة فضولهم لمتابعة الأحداث واكتشاف الحقيقة.

أما الإصدار الثالث في هذا المشروع فهو «نجمة هاربة من السماء»، التي تمثل، بحسب صاحبها، خطوة جديدة في هذا المسار. ويشير عنوان الرواية نفسه إلى عنصر التشويق الذي يراه الكاتب ضرورياً في الكتابة الموجهة إلى اليافعين، لأن القارئ الشاب، في رأيه، يحتاج إلى نص يجذبه ويدفعه إلى مواصلة القراءة واكتشاف ما تخفيه الأحداث.

ورغم أن الرواية كانت في بداية طريقها إلى التوزيع عند تسجيل الحوار، فقد عبّر حرشاني عن سعادته بما وجدته من اهتمام وترحيب في وسائل الإعلام، وبما أثارته من نقاش حول القيم التي تتناولها، وفي مقدمتها الاعتماد على النفس، والاعتزاز بالهوية الوطنية، والتواصل والحوار مع الآخر.

ويعتقد الكاتب أن الأدب الموجه إلى اليافعين لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة للترفيه، وإنما يمكن أن يسهم في تكوين جيل جديد أكثر ارتباطاً بهويته وأكثر قدرة على الحوار والانفتاح.

لماذا الكتابة لليافعين؟

يعتبر محمود حرشاني أن الكتابة لهذه الفئة ليست ترفاً أدبياً، بل استجابة لحاجة حقيقية. فاليافع اليوم يعيش في عالم مختلف عن عالم الأجيال السابقة: عالم السرعة، والفيديوهات القصيرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتعدد مصادر المعرفة.

لذلك فإن الكاتب الذي يتوجه إلى هذه الفئة مطالب، في رأيه، بأن يفهم عالمها وأن يقدم لها نصاً جذاباً، واضحاً، ومكثفاً، قادراً على شد انتباهها دون التفريط في القيمة الأدبية والفكرية.

ومن هنا تحدث حرشاني عن أهمية الاختصار في الكتابة الموجهة إلى اليافعين، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بعدد الصفحات فقط، وإنما أيضاً بالأسلوب والموضوع وطريقة بناء الأحداث.

وضرب في ذلك أمثلة من الأدب العالمي، مشيراً إلى أن عدداً من الأعمال الأدبية الكبيرة التي عرفتها أجيال سابقة أصبحت اليوم تقدم في صيغ مختصرة ومهيأة للقراء الشباب، حتى لا تحول ضخامة العمل الأصلي دون وصوله إلى هذه الفئة.

من «البؤساء» إلى «الشيخ والبحر»

في حديثه عن تطور الكتابة لليافعين، أشار حرشاني إلى اتجاه عالمي وعربي نحو إعادة تقديم بعض الأعمال الأدبية الكبرى في صيغ أقرب إلى الشباب.

فالروايات الضخمة قد تبدو للقارئ اليافع، بسبب حجمها وطولها، صعبة الاقتراب، ولذلك أصبحت بعض الأعمال تقدم في طبعات مختصرة ومهيأة لهذه الفئة.

واستحضر في هذا السياق أعمالاً أدبية عالمية معروفة، مثل «البؤساء» لفيكتور هوغو و**«الحرب والسلام»** لتولستوي، كما أشار إلى رواية «الشيخ والبحر» لهمنغواي، مبيناً أن الأعمال التي كانت تقدم في أحجام كبيرة يمكن أن يعاد تقديمها في صيغ مختصرة للشباب.

ولا يرى حرشاني في ذلك انتقاصاً من قيمة العمل الأصلي، وإنما محاولة لجعل الأدب أقرب إلى القارئ الجديد، مع المحافظة على جوهره.

الكاتب المتخصص يعرف عالم اليافعين

ومن الأفكار اللافتة التي طرحها حرشاني في الحوار، حديثه عن ضرورة أن يكون هناك كتاب متخصصون في الكتابة للأطفال واليافعين والشباب.

ويرى أن المختصين في التربية وعلم النفس، إلى جانب الكتاب الذين يمتلكون معرفة دقيقة بالمجتمع وتفاصيل الحياة اليومية، يمكن أن تكون لهم قدرة خاصة على الاقتراب من عالم الطفل واليافع، لأنهم يعرفون ما يجذبه وما ينفره، وما يحتاج إليه في كل مرحلة عمرية.

واستحضر الكاتب نماذج من الأدب الذي رافق أجيالاً سابقة، مؤكداً أن بعض النصوص التي قرأها وهو صغير ما تزال راسخة في ذاكرته إلى اليوم، وهو ما يطمح إليه بدوره: أن يكتب نصوصاً لا تنتهي صلاحيتها بانتهاء لحظة النشر، بل تظل حاضرة في الذاكرة وتتداولها الأجيال.

ويقول حرشاني إن طموحه ليس مجرد إصدار كتب جديدة، وإنما أن يكون النص الذي يكتبه مختلفاً، وقابلاً للبقاء في الذاكرة، مثل الأعمال التي ظلت حاضرة في وجدان أجيال متعاقبة.

اليافع ليس طفلاً صغيراً

وتوقف الحوار أيضاً عند مسألة تحديد الفئة العمرية التي يستهدفها هذا النوع من الكتابة.

ويرى حرشاني أن اليافع يمثل مرحلة انتقالية بين الطفولة والشباب، وأن التعامل معه باعتباره طفلاً صغيراً قد لا يكون مناسباً دائماً. ومن هنا يحدد الفئة التي يتوجه إليها مشروعه تقريباً بين 12 و18 سنة، مع الإقرار بأن التصنيفات العمرية تختلف بحسب السياق القانوني والتربوي والأدبي.

ويؤكد أن هذه المرحلة العمرية تحتاج إلى كتب خاصة بها، تختلف بالضرورة عن كتب الأطفال وعن أدب الكبار، سواء في حجم النص أو في موضوعاته أو في طريقة معالجته.

من سلسلة «عبير» إلى أدب اليوم

واستعاد حرشاني في الحوار جانباً من ذاكرته القرائية، متحدثاً عن سلاسل أدبية كانت تجذب الشباب في أجيال سابقة، ومن بينها سلسلة «عبير» وغيرها من السلاسل التي وجد فيها القراء آنذاك مساحة لإشباع رغبتهم في المطالعة.

ويرى أن الشباب واليافعين كانوا، في الواقع، يبحثون عن كتب تخصهم، حتى وإن لم يكن التصنيف الأدبي الخاص بهذه الفئة واضحاً بالشكل الذي أصبح عليه اليوم.

ومن هنا تأتي، في رأيه، ضرورة الاعتراف بأن أدب اليافعين ليس أدباً ثانوياً، وإنما مجال أدبي له خصائصه وحاجاته وكتابه وقراؤه.

الاختصار ليس تبسيطاً للأدب

ومن النقاط التي شدد عليها الكاتب أن الدعوة إلى الاختصار لا تعني تبسيط الأدب أو التقليل من قيمته.

فالمشكلة، في رأيه، ليست دائماً في عدد الصفحات، وإنما في قدرة الكاتب على اختيار الموضوع المناسب والأسلوب المناسب والفكرة التي يمكن أن تصل إلى القارئ الشاب.

وفي هذا السياق استحضر أسماء كتّاب كرّسوا جانباً مهماً من تجربتهم للكتابة للأطفال، مثل كامل كيلاني، معتبراً أن التخصص في الكتابة لفئة عمرية معينة لا ينتقص من مكانة الكاتب، بل يمكن أن يكون مجالاً للإبداع الحقيقي.

نحو اهتمام أكبر بأدب اليافعين

ولم يكتف الحوار بتشخيص واقع الكتابة لليافعين، بل انتهى إلى مجموعة من المقترحات التي يرى حرشاني أنها يمكن أن تدعم هذا اللون الأدبي.

وأشار إلى أهمية توجيه الجوائز الأدبية نحو تشجيع الكتابة للأطفال واليافعين والشباب، وإلى أهمية أن تحظى هذه الكتب بمكانة أكبر ضمن المقتنيات التي تخصصها المؤسسات الثقافية للكتب الجديدة.

كما دعا إلى توسيع الاهتمام بهذا الأدب داخل المؤسسات التربوية، مؤكداً أن مسؤولية الكتاب لا تقع على عاتق وزارة الشؤون الثقافية وحدها، بل إن وزارة التربية معنية أيضاً بالكتاب والقراءة وبالمكتبات المدرسية.

وفي هذا السياق دعا إلى أن تكون المكتبات المدرسية أكثر انفتاحاً على الكتاب التونسي، وعلى الرواية التونسية، إلى جانب الكتب العربية والعالمية، حتى يجد التلميذ واليافع أمامه نتاجاً أدبياً من بلاده يستطيع أن يتفاعل معه ويجد فيه شيئاً من عالمه وبيئته وأسئلته.

مشروع يتواصل

هكذا تحول الحديث عن «نجمة هاربة من السماء» إلى مناسبة لطرح سؤال أكبر: ماذا نكتب لليافعين؟ وكيف نكتب لهم؟ وكيف نجعل الكتاب قريباً من قارئ يعيش في زمن مختلف تماماً عن الأزمنة السابقة؟

وبالنسبة إلى محمود حرشاني، فإن «نجمة هاربة من السماء» ليست نهاية المشروع، وإنما حلقة جديدة في تجربة بدأت بـ«سر ساكنة الجبل» ثم «البحث عن الحقيقة»، وتواصلت بهذا الإصدار الثالث، في انتظار أعمال أخرى موجهة إلى هذه الفئة.

التعليقات

سياسة التعليقات على موقع الثقافية التونسية.
1. يرجى الالتزام بالتعليق على الخبر أو التقرير أو المقال نفسه ، والابتعاد عن كتابة تعليقات بعيدة عن موضوع الخبر أو التقرير أو المقال.
2.يرجى الامتناع نهائيا عن كتابة أي عبارات مسيئة أو مهينة أو أي كلمات تخدش الحياء أو تحمل سبا وقذفا في أي شخص أو جهة أو تحوي معان مسيئة دينيا أو طائفيا أو عنصريا

أحدث أقدم

إعلانات

إعلانات