الرواية الجديدة للكاتب التونسي محمود حرشاني

«نجمة هاربة من السماء»... حين يتحول الحب إلى سؤال أخلاقي




عزز الكاتب التونسي محمود حرشاني رصيده من الروايات المنشورة بإصدار رواية جديدة موجهة لليافعين والشباب تحمل عنوان // نجمة هاربة من السماء //وقد سبقتها روايات اخرى موجهة لليافعين مثل رواية البحث عن الحقيقة ورواية حكاية ولد اسمه منصور كما سبقتها قصص موجهة للاطفال في المراحل الابتدائية مثل سر ساكنة الجبل ومصلح ونور يستقبلان الربيع وجبة ابي .ويبدو من خلال هذه الاعمال ان الكاتب محمود الحرشاني يريد ان يؤسس منهجه الشخصي في الكتابة الموجهة لليافعين والشباب . وهو ما تفطنت اليه الباحثة بثينة عبد العزيز غريبي في مقال لها حول الكتابة للطفل بموقع العربي الجديد عندما قالت //في فترة لاحقة، شهدت الكتابة الموجّهة إلى الطفل في تونس تطوّراً نوعياً، رغم محدودية الإنتاج. ومثال ذلك في أعمال محمود الحرشاني الذي يواصل الكتابة في هذا المجال حتى اليوم، كما في أعماله "سر ساكنة الجبل" (2024) و"مصلح ونور يستقبلان الربيع" (2025) و"حكاية ولد إسمه منصور" (2025)، التي تعكس سعياً إلى تجديد تقنيات القصّ لمخاطبة طفل تغيّرت أدواته وأسئلته في البيئة الرقمية من دون أن تتغيّر حاجته إلى الخيال الإنساني بوصفه المصدر الأول لإنتاج المعنى. //راجع العربي الجديد23 يوليو 2026/
قراءة في الشخصيات والرسالة الإنسانية للرواية

لا تنتمي رواية «نجمة هاربة من السماء» للكاتب والصحفي محمود حرشاني إلى الروايات التي تراهن على الإثارة أو تشابك الأحداث بقدر ما تراهن على عمق الإنسان، وعلى كشف ما يختبئ داخل النفس البشرية من صراعات وأسئلة مؤجلة. فهي رواية اجتماعية ذات بعد نفسي، تجعل القارئ أمام رحلة طويلة في الذاكرة، حيث الماضي لا يموت، والحب لا يختفي، بل يبقى كامناً في الأعماق، ينتظر لحظة الاعتراف.

ومنذ الصفحات الأولى يختار الكاتب أن يبدأ بلقاء غير متوقع بين الصديقين صالح وعبد الفتاح بعد سنوات طويلة من الغياب، ليكون هذا اللقاء بوابة يعود منها الزمن إلى الوراء، وتبدأ رحلة استعادة الذكريات ومراجعة الخيارات التي صنعت مصائر الشخصيات.

وتبدو شخصية صالح المحور الأساسي للرواية. فهو المثقف الهادئ، الكاتب أو الأستاذ الذي يؤمن بالأخلاق أكثر من اندفاع العاطفة. لا يعاني من ضعف في الحب، وإنما من فائض في التردد واحترام التقاليد، وهو ما جعله يخسر المرأة التي أحبها. يمثل صالح الإنسان الذي يدفع ثمن صمته، ويكتشف متأخراً أن بعض الفرص لا تعود مرتين. ولذلك فإن الشخصية لا تُبنى على البطولة التقليدية، بل على الصراع الداخلي بين القلب والعقل، وبين الجرأة والخوف من كسر الأعراف.

أما سلطانة فهي دون شك أجمل شخصيات الرواية وأكثرها ثراءً. فهي ليست المرأة المستسلمة لإرادة الأسرة أو المجتمع، بل صاحبة قرار مستقل، تدافع عن حقها في اختيار شريك حياتها، وترفض الزواج القائم على المصالح الاجتماعية أو الاقتصادية. لقد قبلت أن تواجه ضغط الأب والأسرة، وفضّلت فسخ خطوبتها على أن تعيش حياة لا تؤمن بها، لتصبح رمزاً للمرأة الواعية التي تجعل الكرامة مقدمة على المصلحة، والحب مقدماً على الحسابات المادية. إن سلطانة في هذه الرواية ليست مجرد بطلة عاطفية، وإنما تمثل جيلاً جديداً يطالب بحقه في الحرية والاختيار.

وفي المقابل يرسم الكاتب شخصية عبد الفتاح بصورة مركبة، فهي من أكثر الشخصيات تطوراً داخل الرواية. يبدأ شاباً مدللاً يعيش في ظل ثروة والده، ثم يهاجر إلى السويد، وهناك يعيد اكتشاف نفسه بعيداً عن سلطة المال والنسب. تتحول الغربة عنده من رحلة عمل إلى رحلة بناء شخصية، فيعود أكثر نضجاً ووعياً. ومن خلاله يناقش الكاتب فكرة الهوية، ويطرح سؤالاً مهماً: هل يصنع الإنسان نفسه، أم يبقى أسيراً لاسم العائلة وثروتها؟ والإجابة تأتي من خلال تجربة عبد الفتاح نفسه الذي يختار أن يبني نجاحه بجهده لا بأموال والده.

لكن الشخصية الأكثر إثارة للنقاش هي شخصية الحاج حسونة البيوضي. فقد نجح الكاتب في تقديمها بعيداً عن الأحكام المباشرة، فجاءت شخصية تحمل تناقضات المجتمع نفسه. فهو رجل بدأ فقيراً ثم أصبح من كبار الأثرياء، كريم في الصدقات، حريص على الحج، لكنه في الوقت نفسه مولع بالمظاهر، ويطلق زوجته بعد عمر طويل من العشرة، ويتزوج فتاة تصغره بثلاثين سنة. هذا التناقض يجعل الشخصية أقرب إلى الواقع منها إلى المثال، ويكشف قدرة الكاتب على رسم نماذج إنسانية لا تُختزل في الخير أو الشر، بل تتأرجح بينهما باستمرار.
ومن الجوانب اللافتة في الرواية أن الكاتب لا يجعل الحب محوراً مستقلاً، بل يربطه بقضايا المجتمع والأسرة والهجرة والطبقات الاجتماعية، وبالعلاقة بين المال والقيم، وبين السلطة الأبوية وحرية الأبناء. ولهذا تبدو الرواية أقرب إلى مرآة اجتماعية منها إلى قصة رومانسية خالصة.

أما على المستوى الفني، فقد اعتمد محمود حرشاني لغة سهلة وأنيقة، تميل إلى السرد الهادئ والحوار المطول، وهو أسلوب يسمح للشخصيات بأن تكشف نفسها بنفسها، ويمنح القارئ فرصة للتأمل أكثر من اللهاث وراء الحدث. كما أن كثرة الاسترجاعات الزمنية جاءت منسجمة مع طبيعة الرواية القائمة على استعادة الماضي، دون أن تفقد خيطها السردي.

والرسالة الأساسية التي تتركها الرواية يمكن تلخيصها في أن الحياة لا تهزم الإنسان بقدر ما يهزمه تردده، وأن الحب الحقيقي يحتاج إلى شجاعة بقدر حاجته إلى الإخلاص، وأن النجاح المادي لا يكفي لصناعة السعادة إذا غابت القيم الإنسانية. كما تؤكد الرواية أن الإنسان يستطيع أن يعيد بناء ذاته مهما تأخر الزمن، لكن بعض القرارات التي لا تُتخذ في وقتها تظل ندبة لا تمحوها السنوات.

إن «نجمة هاربة من السماء» رواية تتجاوز حدود الحكاية لتصبح شهادة على مرحلة اجتماعية كاملة، ورصداً للتحولات التي عرفها المجتمع التونسي، وللعلاقة المعقدة بين الحب والسلطة والمال والأسرة. وهي عمل يثبت مرة أخرى أن محمود حرشاني لا يكتب الحدث من أجل الحدث، بل يكتب الإنسان بكل تناقضاته، ولذلك تبقى شخصياته حية في ذاكرة القارئ حتى بعد إسدال الستار على آخر صفحة.

شمس آذار اليوسفي / تونس